عبد الشافى محمد عبد اللطيف

381

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

بوتقته وحضّرهم ، بل حولهم هم أنفسهم - وهم الذين بلغوا درجة من الوحشية والهمجية لم يبلغها أحد قبلهم - إلى بناة حضارة ، فقد شاد المغول باسم الإسلام حضارة راقية ارتبطت باسمهم وبصفة خاصة في الهند - ظلت قائمة حتى دهمها الاستعمار الأوروبي منذ مطلع القرن السادس عشر الميلاد ، ولا تزال آثارها شاهدة على ازدهارها ورقيها وتلك هي عظمة الإسلام ، التي حولت المتوحشين إلى متحضرين . كانت هزيمة المسلمين في البداية أمام الصليبيين والمغول وانتصارهم في النهاية سنة من سنن اللّه الكونية التي لا تتبدل ولا تتغير ، ولا تجامل أحدا من خلقه ؛ « فقد كان واقع المسلمين - عندما داهمهم الصليبيون والمغول - سيئا مليئا بالمعاصي والبدع والانحرافات والشتات والفرقة ، والاشتغال بذلك كله عن نصرة دين اللّه ، والتمكين له في الأرض ، ولذلك اجتاحت جيوش الأعداء أراضي الإسلام ، وأزالت سلطانهم إلى حين ، ولكن جذوة العقيدة كانت ما تزال حية في النفوس وإن غشيتها غاشية من التواكل والسلبية ، أو الانشغال بشهوات الأرض . فما أن جاء القادة الذين يردون الناس إلى الجادة ، بدعوتهم للرجوع إلى حقيقة الإسلام ، حتى صحت الجذوة واشتعلت ، فجاء على أثرها النصر ؛ فحين قام صلاح الدين الأيوبي يقول للناس : « لقد هزمتم لبعدكم عن طريق اللّه ، ولن تنتصروا حتى تعودوا إلى الطريق . . وحين صاح السلطان قطز صيحته الشهيرة : واإسلاماه ، وتبعتهم جماهير الأمة المسلمة فصدقت اللّه في عقيدتها وسلوكها ؛ جاء نصر اللّه ، وتغلب المسلمون على أضعافهم من المشركين والكفار » . « 1 » فهل هناك أمل أن يجتاز العالم الإسلامي محنته الحالية ، وأن يخرج من هذا الحصار العالمي القاسي وأن يملك زمام نفسه ، وأن يستمتع بثرواته ويسخرها لمصلحة أبنائه ؟ علم ذلك عند ربي ؛ لأن أعداء الإسلام اليوم أقوى بكثير من أعداء الأمس ، ووحشيتهم وقوتهم في عداوتهم ربما لا تقل عن وحشية المغول والصليبيين وأدواتهم في الكيد والقهر والإذلال بغير حدود ، ولكن على الرغم من كل ذلك فلا ينبغي للمسلمين أن يفقدوا الأمل في نصر اللّه الذي وعد به عباده المؤمنين ، حيث قال تعالى : وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [ الروم : 47 ] ، بشرط أن يكونوا مؤمنين حقّا ، وأن يحضروا أنفسهم للخلاص من السيطرة والهيمنة الغربية الجهنمية .

--> ( 1 ) محمد قطب - واقعنا المعاصر ( ص 7 ) مكتبة رحاب - الجزائر سنة ( 1989 م ) .